ابن كثير
112
البداية والنهاية
فأنزل الله : ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، يا ويلتنا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) [ الفرقان : 27 - 28 ] والتي بعدها . قال ومشى أبي بن خلف بعظم بال قد أرم ( 1 ) . فقال : يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم ، ثم فته بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : نعم ! أنا أقول ذلك ، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك النار . وأنزل الله تعالى : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) [ يس : 78 - 79 ] إلى آخر السورة . قال واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة - الأسود بن المطلب ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل [ وكانوا ذوي أسنان في قومهم ] ( 2 ) . فقالوا : يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الامر . فأنزل الله فيهم : ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) إلى آخرها . ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم . قال : أتدرون ما الزقوم ؟ هو تمر يضرب بالزبد ثم قال هلموا فلنتزقم فأنزل الله تعالى : ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ) [ الدخان : 43 - 44 ] قال : ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه فمر به ابن أم مكتوم ( 3 ) - عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة - الأعمى فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآن ، فشق ذلك عليه حتى أضجره ، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد ، وما طمع فيه من إسلامه ، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا ، وتركه ( 4 ) فأنزل الله تعالى : ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) إلى قوله : ( مرفوعة مطهرة ) وقد قيل إن الذي كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم أمية بن خلف فالله أعلم ( 5 ) .
--> ( 1 ) أرم : بلى . ( 2 ) ما بين معقوفتين من ابن هشام . ( 3 ) وكان اسمه عبد الله وقيل عمرو . ( 4 ) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 389 وما بعدها . ( 5 ) ذكر البيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : المستهزئون : الوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب أبو زمعة والحارث بن عنطلة السهمي والعاص بن وائل . - فالأسود بن عبد يغوث بن وهب بن زهرة ، ابن خال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال البلاذري عنه : " كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه : قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر ، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم : أما كلمت اليوم من السماء يا محمد . - أما الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى فكان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام شق عليه فدعا عليه أن يعمي الله بصره ويثكله ولده . - الحارث بن قيس السهمي ابن العنطلة : نسب إلى أمه ، نزل فيه في قول : " أرأيت من اتخذ إلهه هواه " لأنه كان يعبد حجرا فإذا رأى حجرا أحسن منه تركه وأخذ الأحسن . كان يقول : لقد عز محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلا الدهر والاحداث ومرور الأيام . - العاص بن وائل السهمي . قال الجمهور ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه : المستهزئون كانوا خمسة وقال في رواية كانوا ثمانية : وقد عدهم البيهقي كما ذكرنا خمسة أما الثلاثة فهم : مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشاف ذكره ابن الكلبي والبلاذري وكان سفيها فدعا عليه رسول الله واستعاذ بالله من شره . وذكر البلاذري ممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو الأصداء ، وكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم ويقول للناس هو معلم مجنون فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لعلى جبل إذا اجتمعت عليه الأروى فنطحته حتى قتلته .